منير سلطان

120

إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة

ولا نستطيع أن ندفع قول الباقلاني بهذين النصين ، فقد يكونان من باب المبالغة في التكريم ، ولو كان كتاب الجاحظ بين أيدينا لاستطعنا أن نعقد مقارنة بين ما ورد في الكتابين . ولنقرأ الآن وجهة الباقلاني في نقده للجاحظ . يقول « وليس لقائل أن يقول . قد يسلم بعض الكلام من العوارض والعيوب ، ويبلغ أمره في الفصاحة والنظم العجيب . ولا يبلغ عندكم حد المعجز ، فلم قضيتم به في القرآن دون غيره من الكلام ؟ ثم يأخذ الباقلاني في الرد بأن كل الأعمال المشهورة للأدباء المعروفين ، إذا تأملناها سنجد أنها تحتوى على ضعف وخلل غير موجودين في القرآن ، وهذا الجاحظ ، قد يزعم الزاعمون أن كلام الجاحظ من السّمت الذي لا يؤخذ فيه ، والباب الذي لا يذهب عنه ، وأنت تجد قوما يرون كلامه قريبا ، ومنهاجه معيبا ، ونطاق قوله ضيقا ، حتى يستعين بكلام غيره ، ويفزع إلى ما يوشح به كلامه : من بيت سائر ومثل نادر وكلمة ممهدة منقولة ، وقصة عجيبة مأثورة ، وأما كلامه في أثناء ذلك فسطور قليلة وألفاظ يسيرة ، فإذا أحوج إلى تطويل الكلام خاليا عن شئ يستعين به - فيخلط بقوله من قول غيره - كان كلاما ككلام غيره . فان أردت أن تحقق هذا فانظر في كتبه ، في « نظم القرآن » وفي « الرد على النصارى » وفي « خبر الواحد » وغير ذلك مما يجرى هذا المجرى ، هل تجد في ذلك كله ورقة واحدة تشتمل على نظم بديع أو كلام مليح ؟ على أن متأخري الكتاب قد نازعوه في طريقته ، وجاذبوه على منهجه ، فمنهم من ساواه حين ساماه ، ومنهم من أبر عليه إذ باراه ، هذا « أبو الفضل ابن العميد » ، قد سلك مسلكه وأخذ طريقه ، فلم يقصّر عنه ، ولعله قد بان تقدمه عليه ، لأنه يأخذ في الرسالة الطويلة فيستوفيها على حدود مذهبه ، ويكملها على شروط صنعته ولا يقتصر على أن يأتي بالأسطر من نحو كلامه ، كما ترى الجاحظ يفعله في كتبه ، متى ذكر من كلامه سطرا ، أتبعه من كلام الناس أوراقا ، وإذا ذكر صفحة ، بنى عليه من قول غيره كتابا « 1 » .

--> ( 1 ) الباقلاني - إعجاز القرآن - 247 و 248 .